عدنان زرزور

71

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

في الفقرة التالية مزيدا من البيان - من خلال الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان حول بدء الوحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي : الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبّب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه ، وهو التعبد ، الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال أقرأ ! فقلت : ما أنا بقارئ ! فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال اقرأ ! فقلت : ما أنا بقارئ ! فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) . فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زمّلوني ، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع ، فقال لخديجة : وأخبرها الخبر ، « لقد خشيت على نفسي » ! فقالت خديجة : كلا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . . . الحديث » . إن في هذا الحديث دليلا على صدق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مع نفسه وعلى صدقه مع ربه ، وأن أمر السماء فجأه وهو بغار حراء ، فرجف فؤاده وانطلق يقول لخديجة : « لقد خشيت على نفسي » ! فلم يكن صلى اللّه عليه وسلم في حالة من حالات الإشراق الروحي ! أو حديث النفس ، أو فيض الخاطر ! ولو كان ينتظر مثل ذلك لما خشيه حين وجده أو اتفق له أو وقع فيه ! ! وصدق اللّه العظيم الذي خاطبه في محكم التنزيل بقوله : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) [ سورة القصص ، الآية 86 ] .